أخبار وتقاريرورقة وقلم

أين يقع مكان بئر يوسف عليه السلام؟

كتب - محمد علي

أين يقع بئر يوسف .. اختلف المؤرخون في تحديد مكان البئر الذي القي فيه سيدنا يوسف عليه السلام، حيث ورد ذكر هذه البئر في قول الله تعالى: «قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ»، «وغيابة الجب»، تعني ما غاب وأظلم من البئر، والجب بضمّ الجيم، البئر المطوية، وتوجد فائدة لغوية أن كلمة البئر في اللغة العربية بمعنى

تعدَّدت روايات العلماء في تحديد مكان البئر الذي أُلقيَ فيه سيدنا يوسف -عليه السلام-، فمنهم من يرى أنَّ هذه البئر هي بئر بيت المقدس، وقيل إنَّها في طبريَّا، وقيل إنَّه يقع بأرض الأردن، وتقول بعض الرِّوايات إنَّها تقع بين أرض مدين وأرض مصر، ويقال إنَّ الجُبَّ الذي أُلقي فيه يوسف -عليه السّلام- يبعد بمقدار ثلاثةِ فراسخ عن بيت أبيه يعقوب -عليه السَّلام-، والذي يقع بأرض كنعان في نواحٍ من الأردن، في حين يرجِّح بعض العلماء أنَّ هذه البئر هي التي يقع في قرية صفد في فلسطين والتي تشتهر باسم بئر يوسف.

 

وتعود إلى القصة، عندما اقترح أحد إخوة يوسف ألا يقتلوه وإنما يكتفون بإلقائه في قعر بئر عميقة، حتى يختفي عن عين الناظر، وعندما قالوا ضعوه في الجب فهي عملية أقل ضرراً.

وذكرت الآية كلمة السيارة، بمعنى جماعة سائرين، وهي التي تعرف دروب الصحراء، وتعرف مواقع المياه، أما السائر العادي، فلا يعرف شيئاً. أما الوارد «فأرسلوا واردهم» فهو الذي يرد الماء ليأتي به للقافلة. وتقع البئر في فلسطين في نابلس.

 

قصة إلقاء يوسف عليه السلام في البئر؟

كان يوسف -عليه السَّلام- يحظى بمكانةٍ مميَّزةٍ عند والده يعقوب -عليه السَّلام-، فقد ولد يوسف وأخٌ له يدعى بنيامين من زوجة يعقوب التي تسمَّى راحيل، وقد تزوَّجها يعقوب بعد موت أختها، وكان له منها عصبةٌ من الأولاد، فاشتغلت الغيرة في قلب الأبناء وأحسُّوا بتفضيل والدهم ليوسف وأخوه عليهم، قال الله -تعالى-:«إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ».

 

فقرَّر إخوة يوسف التَّخلُّص منه، وتشاوروا في الطَّريقة فيما بينهم، فاستقرُّوا على رميه في قاع بئرٍ دون قتله متأمِّلين أن يأتيَ أحد المارَّة ويأخذه معه بعيداً، وبالتَّالي يبقى أبوهم لهم وحدهم ولا يلتفت لدونهم، فطلبوا من والدهم أن يأخذوا يوسف معهم من أجل اللَّهو واللَّعِب، لكنَّ رأفة الأب وحرصه جعلته يعارض ابتداءً خوفاً من أن ينشغلوا عنه ويأكله الذِّئب، لكنَّهم أعطوا والدهم عهداً بالمحافظة عليه.

ولمَّا وصلوا وِجْهتهم ألقوه في البئر، ورجعوا مُتَباكين كي لا ينتبه أبوهم لكذبهم، وجاءوا بقميصه معهم وقد تلطَّخ بدمٍ كاذبٍ؛ ليوهموا أباهم أنَّه قد أكله الذِّئب، لكنَّه لم يقتنع بكلامهم ولم يصدِّقهم، وفوَّض أمره لله -تعالى-.

 

كيف خرج يوسف عليه السلام من البئر؟

ظلَّ يوسف -عليه السَّلام- ملقىً في البئر أيَّاماً، وكان إخوته يتردَّدون على البئر بين الحين والآخر، وكان هناك قافلةٌ قادمةٌ من أرض مدين متَّجهةً إلى مصر، فأرسلوا واحداً منهم ليجلب لهم الماء من البئر، وما أن رمى دلوه بالبئر تعلَّق فيه يوسف -عليه السّلام- وخرج، ففرح الرَّجل وصاح مستبشراً برؤية الغلام، قال الله -تعالى-: «وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً».

 

ولكنَّ إخوته أسرعوا ونسبوه لأنفسهم، وأرادوا بيعه للرَّجل بثمنٍ قليلٍ، فاشتراه منهم ثمَّ قام بإخفائه عمَّن كان برفقته في القافلة مع بضاعتهم، واصطحبوه معهم إلى مصر، ولمَّا وصلوا باعوه لعزيز مصر، وأوصى زوجته أن تهتمَّ به لينتفعوا من هذا الغلام، قال الله -تعالى-: «وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا».

العفو في قصة سيدنا يوسف
قال الدكتور على جمعة، مفتي الجمهورية السابق، عضو هيئة كبار العلماء، إن قصة سيدنا يوسف – عليه السلام- تدل على جمال عفوه عن إخوته، الظاهر في قوله – تعالى- على لسانه «قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، (سورة يوسف: الآية 92)، يعني: لا مؤاخذة عليكم اليوم.

 

وأضاف « جمعة » أثناء برنامجه «مصر أرض الأنبياء»، أن العفو كان نفس موقف النبي – صلى الله عليه وسلم- عندما دخل مكة، وقال لمن فيها: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ»؛ فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن قصة سيدنا يوسف جمعت الشمل بالعفو وهو أول المبادئ المذكورة في كتب الثورات؛ فبدأ سيدنا يوسف – عليه السلام- مع أخوته صفحة جديدة، لأن الحساب كان مؤلم ومتداخل والنتائج عند عدم العفو لا تتساوى ووجوده، مضيفاً: الصراع بين الخير والشر هو الفكرة الأساسية التي تعلمها الإنسان في هذه الحياة الدنيا أثناء تعميره للكون وعبادة الله وتزكية النفس، والأخلاق هي الأساس لنيل العيشة الهنية.

 

وأشار المفتي السابق إلى أن قلب سيدنا يوسف – عليه السلام- اطمأن لله فاستطاع إدارة الأزمة بنجاح باهر وتجربة زاخرة اشتملت على كثير من المباديء والنظريات الإقتصادية التي تعلمها البشر بعد ذلك، وأكدت هذه القصة أن النبي يوسف – عليه السلام- تمكن من تطويع الشعب بأكمله حتي الملك و حاشيته فنطوي الجميع تحت لوائه في قيادة الأزمة؛ فكان نجاح باهر وعمل نافع مستمر برصيد أخلاقي كبير عند الله والناس.

زر الذهاب إلى الأعلى